اسد حيدر
11
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وانتشار المذاهب إذ لم يجر الحكام على مذهب بعينه ، وإنما يتقرر ذلك بحسب الظروف والملابسات وعوامل النفوذ والغلبة سيما وإن العالم الإسلامي بات مسرحا للقوة يشهد نتائج الغلبة على شكل دول ووزارات وجيوش . ولا بد أن يكون القضاء - وهو من أكثر الوظائف استقرارا لأصوله المعروفة وأهميته في حياة الناس - من أوليات شؤون السلطان التي تتسرب إليها موجات التمذهب ، وتتطلع إليها الرغبات ، فحصرت بعد زمن بالمذاهب الأربعة ، وسارت الأمور على الاستعانة بما كان من مقتضيات السلطان في الأساس ، وهو تحديد المراتب الفقهية والمراجع في أشخاص بأعيانهم . يحكى عن أبي زرعة - تلميذ البلقيني - أنه سأل أستاذه عن المانع للشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وهو جامع للشروط . فسكت البلقيني ولم يجب . فقال أبو زرعة : « فما عندي ان الامتناع عن ذلك ليس إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة ، وإن من خرج عن ذلك واجتهد لم ينل شيئا من ذلك ، وحرم ولاية القضاء ، وامتنع الناس عن استفتائه ، ونسبت إليه البدعة . فتبسم ووافقني على ذلك » . وامتد تأثير ذلك لينعكس على نهج التعامل مع وقائع التاريخ وروح المبادئ ، فراح أغلب المؤرخين ينقادون للنزعة الطائفية المشبعة بالعصبية الإقليمية أو القبلية معتمدين على الخرافات والادعاءات التي تؤجج نار الفرقة وتزيد الانقسام ، لتطغي حدة الخلاف على الحقيقة ، وتدفع الأمور في مسار لا يخضع لمنطق ولا يأبه بالشواهد إرضاء لرغبة الحكام ، وتزلفا لذوي السلطة ، وبذلك عج التاريخ بما نجم عن تلك النزعات ، فأصبح البحث عن الحقيقة والتوسل إلى استخلاص الواقع ، أو استنباط الجوهر محاطا بعوائق وصعوبات ، بعد أن أدى تقادم الزمن واستمرار القناعة بما صدر عن مصادر التعصب وجهات الانقسام ، إلى أن تكتسب شكلا ثابتا يقف بوجه موجات الوعي التي تنمو بين شبابنا المسلم المتصف بروح العلم والموضوعية . لقد كان التحيّز في طرح مواضيع لها أهميتها لتعلّقها بحياة المسلمين وتفاصيل وجودهم هوية الباحثين المرتبطين بالسلطة ، وكانت نبرة الفرقة ودعوة الانقسام ، بطاقة الدخول إلى عالم القصور والرفاه السلطوي ، وبذلك ارتكب هؤلاء جناية على أجيالنا إذ تنصلوا من مهمات الباحث ومسئولياته ، وتخلوا عن أصول الأمانة في نقل الأحداث وتصوير الظروف والعوامل ، فساقوا الآراء دون تمحيص أو تقدير لمرحلة أو وضع تاريخي معين . وأنّى لنا الحصول على نهج تاريخي يراعي مصلحة الأمّة ويقدّر